رصد ومتابعة: عادل فهمي
توافد المنتخبات المشاركة في كأس أمم أفريقيا بالمغرب، خطفت بعض المشاهد البسيطة الأضواء، ليس بسبب كرة قُدِّمت أو مباراة لُعِبت، بل بسبب الزي الثقافي الرسمي الذي اختارته بعض المنتخبات ليكون واجهتها الأولى أمام الإعلام والجماهير. منتخبات مثل مالي وجزر القمر وزيمبابوي قدّمت نفسها بهويتها، عبر أزياء تعبّر بصدق عن تاريخها وثقافتها، في صورة راقية تحمل احترامًا للذات قبل أي اعتبار آخر.

اللافت في هذه المشاهد أن الزي لم يكن عنصرًا ثانويًا أو تفصيلاً عابرًا، بل كان رسالة واضحة بلا كلام. فكل لون، وكل تصميم، وكل قطعة لباس، حملت دلالات ثقافية عميقة، وكأن هذه المنتخبات تقول: نحن هنا بثقافتنا قبل أسمائنا، وبجذورنا قبل شعاراتنا.

في المقابل، كان لظهور بِشّة، نجم المنتخب السوداني ونادي الهلال السابق، وهو يرتدي الزي السوداني في قناة الكاس عبر برنامج المجلس أثر خاص في النفوس. صورة واحدة كانت كافية لتعيد الجلابية والعِمّة إلى الواجهة، لا كتراث فقط، بل كرمز لهوية حاضرة وقادرة على تمثيل السودان في مثل هذه المحافل. هذا الظهور لم يكن استعراضًا، بل تعبيرًا بسيطًا وصادقًا عن الانتماء، وعن الاعتزاز بالثقافة السودانية في أبهى صورها.

وكان من الجميل أن يتوسّع هذا المشهد ليشمل لاعبي أو ممثلي منتخب السودان، فيظهروا بالزي السوداني خلال لحظات التوافد والاستقبال، كما فعل غيرهم. ليس من باب المقارنة أو المنافسة، بل من باب التأكيد على أن السودان يمتلك هو الآخر إرثًا ثقافيًا غنيًا يستحق أن يُقدَّم للعالم بثقة واعتزاز.

فالكرة قد تتغير، والبطولات قد تمضي، والنتائج تبقى رهينة المستطيل الأخضر، لكن الهوية الثقافية تظل ثابتة، لا تتبدل ولا تخضع للحسابات. والزي الثقافي، في مثل هذه المناسبات، يصبح أكثر من مجرد لباس؛ يصبح عنوانًا للأمة، وبطاقة تعريف تسبق أي إنجاز أو إخفاق.

في مثل هذه التفاصيل الصغيرة، تُصنع الصورة الكبيرة. صورة بلد يعرف من هو، وكيف يقدّم نفسه، ويؤمن بأن احترام الذات يبدأ من احترام ثقافته. والسودان، بثقافته العريقة وتنوّعه الغني، يملك ما يجعله حاضرًا دائمًا… متى ما قرّر أن يلبس هويته دون تردد.
